حرب البادية السورية تخفي صراعًا على “معابر طريق الحرير” وحقول النفط والغاز

خميس, 03/08/2018 - 15:59

مشروع "إيران قلب طريق الحرير" طرحه هاشمي رفسنجاني أواخر ثمانينات القرن الماضي ويقضي بتحويل إيران إلى مركز اقتصادي يصل شرق آسيا بأوروبا وأفريقيا.

بعد تحذير البنتاغون الأمريكي، الاثنين، للقوات الروسية والسورية والمليشيات الإيرانية، ومطالبتها بمغادرة “المنطقة الآمنة” في جنوب البادية السورية، وتحديدا حول بلدة التنف على الحدود السورية مع الأردن والعراق، سجل متابعون ارتفاعا في وتيرة القتال بالمنطقة، صباح اليوم الأربعاء، شارك فيه الطيران الروسي والفصائل الشيعية من جهة، والفصائل السورية المدعومة من أمريكا والأردن من جهة أخرى.

التطورات الأخيرة تزامنت مع حشد عراقي على الحدود مع سوريا أوكلته الحكومة لقوات الحشد الشعبي، التي توصف سياسياً، بأنها رديف للمليشيات الشيعية الإيرانية.

الخريطة السورية الجديدة

وفي المقابل أظهرت التصريحات المشتركة في أعقاب لقاء ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو أن هناك بين البلدين من آليات التنسيق ما يضمن للاختلافات بشأن الوضع في سوريا أن يظل في نطاقه ولا يخلّ بالتفاهمات الكبرى المشتركة.

هذا التدويل للمعركة على البادية السورية، والذي وصفه مركز واشنطن لدراسات الشرق الأوسط بأنه يشكل تقاطعاً في الأجندات الأممية الكبرى، قابلاً للتصعيد الدولي والانفلات، يراه المحللون صراعا لرسم الخريطة السورية الجديدة يستبق هزيمة داعش بآخر معقلين مركزيين له في الرقة والموصل.

 فالمناطق منخفضة التوتر التي تم الاتفاق عليها في محادثات آستانة، والتي ليست من بينها البادية السورية التي  تشكل أكثر من نصف حجم سوريا ، هي في واقع الأمر كيانات داخلية مرشحة مع مضي الوقت لأن تجعل سوريا دولة فيدرالية من خمس ولايات على الأقل لكل منها إدارته المحلية، لكنها لم تتضمن حتى الآن البادية السورية التي يجري حاليا الصراع لإخضاعها لقانون وضع اليد.

التنف مقابل البوكمال

يرى محللون أردنيون في سياقات المعركة الحالية على بلدة التنف، التي تضم قاعدة أمريكية وقوات خاصة بريطانية وأردنية، مع معسكر لتدريب “جيش سوريا الحر” الذي تموله وتسلحه واشنطن، شدّاً وجذباً شديد التوتر يخفي في ثناياه صراعاً آخر حول معبر البوكمال على الحدود السورية العراقية.

وفي تقدير المتابعين، “موضوع السيطرة الأمريكية على الخط البري الرئيسي الذي يصل دمشق مع بغداد، وعقدته التنف، هو أمر محسوم حققته واشنطن قبيل وصول الرئيس دونالد ترامب للسعودية، وأرادت به أن تؤكد أن حربها الطويلة مع داعش، بمشاركة دول التحالف هي حرب جدّية وبلدة التنف واحدة من أساساتها الجيوسياسية، الأمر الذي يبدو أن موسكو قبلت به ضمنا ولم ترد على ضربات الطيران الأمريكي، لكنها في المقابل تريد أن تضمن لنفسها ولحلفائها وبالذات إيران، أن يكون لها معبرها البري من العراق إلى سوريا والمتمثل  بنقطة البوكمال“.

فكما فعلت واشنطن باعتماد فرض الأمر الواقع في السيطرة على التنف والتحكم بالخط الواصل بين بغداد ودمشق، فإن ما تسعى له طهران وموسكو الآن هو أن تحصلا على موافقة ضمنية بالسيطرة على دير الزور عن طريق التقدم العسكري عبر تدمر والسخنة.

ويستحضر المحللون أن أهمية إقليم البادية السورية الشمالية ومركزه دير الزور، بالنسبة لروسيا وإيران تكمن في أن  السيطرة عليه تضمن إبعاد أمريكا عن الطريق  من الرقة الى الموصل، كما تضمن لهذا الممر أن يكون متاحاً لإيران في حلمها بمشروع “خط الحرير” الذي يصلها بالبحر المتوسط، عبر العراق وسوريا.

 النفط والغاز

وهذا الإقليم من بادية سوريا معروف بأنه يحتوي حقولاً غنية بالنفط والغاز، وبعضها كانت روسيا وإيران تعاقدت مع النظام السوري على استثماره.

وبهذا المعنى، كما يرى المحللون، فإن التصعيد العسكري المتجدد اليوم في البادية السورية الجنوبية، وعنوانه الإعلامي معركة التنف، هو في حقيقته لي ذراع تريد منه روسيا وإيران أن تضمنا بأن تسليمهما بتبعية معبر التنف للسيطرة الأمريكية، يقابله تسليم أمريكي بتبعية معبر البوكمال لإيران وروسيا، وهو أمر يخضع للجدل.

وذكر المحللون أن مثل هذه المقايضة بين التنف والبوكمال، إذا وافقت عليها واشنطن، فإنها بذلك تكون أقّرت لإيران بحق المباشرة في التخطيط والتنفيذ لحلمها بـ “طريق الحرير” الذي يربط إيران بالبحر المتوسط، سواء جاء ذلك كمشروع إيراني منفرد، أو جاء ضمن مشروع دولي أوسع للتحكم بخطوط التجارة العالمية الجديدة، كانت طرحته الصين ورحبت به إيران، والآن يمكن لروسيا أن تكون جزءاً من ترتيباته ومنظومته المستقبلية.

طريق الحرير الإيراني

كانت بداية الحديث عن مشروع “إيران قلب طريق الحرير” أواخر ثمانينات القرن الماضي عندما طرح هاشمي رفسنجاني حلم تحويل إيران إلى مركز اقتصادي يصل شرق آسيا بأوروبا وأفريقيا بخطوط برية تعيد تشكيل الأنماط التجارية الدولية.

وهذا المشروع الذي كان قبل ربع قرن فوق طاقة إيران وإمكانياتها، تجدد طرحه عام 2013 من خلال الرئيس الصيني “شي جينينغ” الذي أحيا المشروع التاريخي الذي يحلم بربط بلاده مع أوروبا وأفريقيا بطريق يمر بالهند وشرق آسيا وآسيا الوسطى وصولاً إلى الخليج ومنه لإفريقيا، مع تفريعة أخرى تمر من إيران إلى العراق ومن هناك إلى سوريا ولبنان وربما اسرائيل، اضافة لتفريعة أخرى  من العراق إلى تركيا ومن ثم أوروبا.

المشروع كما طرحه الرئيس الصيني في زيارته إلى قريغزستان قبل أربع سنوات، لقي يومها ترحيباً إيرانياً فائقاً، حيث كانت إيران منخرطة في مفاوضات لرفع العقوبات الدولية عنها، كما كانت أيضاً بدأت في التوغل بالشرق الأوسط بعد إحكام سيطرتها على مراكز القرار في العراق وخوضها الحرب في سوريا بميليشيات شيعية جعلتها هي صاحبة القرار السياسي والعسكري في البلاد.

وفي تفاصيل الحلم الإيراني بأن تكون طهران هي قلب خط الحرير، وأن يكون وصولها لميناءي اللاذقية وبيروت، مضموناً بنقاط عبور سورية حدودية، تمر إما عبر بلدة التنف أو من معبر البوكمال.

لكن الموقف الأمريكي الذي عبر عنه الرئيس ترامب في قمم الرياض، والذي يعتبر إيران بلداً إرهابياً يوجب العمل المشترك على مستوى المنطقة من أجل تحجيم مشروع طهران وكبح جماحه، فهذا الموقف يستلزم عسكرياً أن يكون معبرا التنف والبوكمال خارج السيطرة الروسية الإيرانية، وهو الموقف الذي يقول المحللون إنه يخضع الآن لاختبارات الجدية وليّ الأذرع، كما تُعبّر عنها المعارك الإعلامية والعسكرية التي تجري  في البادية السورية وتستهدف حسم موضوع المعابر مع العراق قبل الانتهاء من معركتي الموصل والرقة.

المصدر:https://www.eremnews.com/news/arab-world/857552

المركز العربي البريطاني للدراسات الإستراتيجية و التنمية

الإبحار